تاريخ النشر: 17 ديسمبر 2020

المصدر:
“عشر سنوات بعد الربيع العربي..نعمة أم نقمة”
موضوع يهمك
مصالح الأمن يطيح بعصابة دولية
مصالح الأمن يطيح بعصابة دولية
آخر الأخبار

أحقاً “لابد” ؟ ، ترى هل إستجابَ قدرٌ و إنجلى ليل ؟ ، انكسر قيد ؟. و من لم يعانقه شوق الحياة ، تبخر في جوها و اندثر . هل فعلاُ هناك ويلٌ ينتظر من لم تشقه الحياة من صفعة العدم ؟. في مثل هذا اليوم …دع الكائنات تقول لك و اسمع روحها المستتر.

إنها ساعات فجر الجمعة السابع عشر من ديسمبر 2010 ، فجر عيد الإسلام .و فجر نص جديد في تاريخ العرب . عربة فاكهة ، يجرها طارق الطيب محمد البوعزيزي راجياً شق طريقه إلى سوق الفاكهة ، حينها أوقفته فادية الحمدي و أنشأت تصادر بضاعته ، رأى عمه الحادثة فذهب إلى مأمور الشرطة و طلب مساعدته ، المأمور لبى النداء فتركته فادية و لكنها استشاضت غضباً منه ، فما كان منها إلا أن ذهبت إلى السوق مرة أخرى ، وبدأت مصادرة البضاعة كرة ثانية ، وضعت أول سلة فاكهة في سيارتها و شرعت في حمل السلة الثانية الا أنه اعترض طريقها، فدفعته وضربته بهراوتها. ثم حاولت أن تأخذ ميزانه، وحاول مرة أخرى منعها، عندها دفعته هي ورفيقاها فأوقعوه أرضًا وأخذوا الميزان. بعد ذلك قامت الشرطية بتوجيه صفعة للبوعزيزي على وجهه أمام حوالي 50 شاهدا. صفعةٌ سمع صداها من العاصمة تونس ، من قاهرةِ المعز ، طرابلس ، المنامة ، دمشق ، و إذا صنعاءُ تشكونا فكل بلادنا يمنُ . مسح الشاب دموع الخجل ، و دق باب كل مسؤول ، لا أحد استجاب ، فما كان من التاريخ إلا أن قال “وقف البوعزيزي أمام مبنى البلدية وسكب على نفسه مخفف الأصباغ وأضرم النار في جسده. اشتعلت النيران، وأسرع الناس وأحضروا طفايات الحريق ولكنها كانت فارغة. اتصلوا بالشرطة، لكن لم يأت أحد ..لم يأت أحد”.

الشرطية التي أمرته أن “يرحل” ، لم تكن لتعلم أن هذا الرجل هو الذي سيجعل من علمها أن تقول “إرحل” يرحل . اشتعلت شرارة ثورةٍ تزينت بإكليل ياسمينٍ على روحه . لم تعر إهتماماً لوزن رنةِ البارود و لعَنَت نغمة الرشاش . لم تؤلمها ضربات رجال الشرطة و لم تستلم للألم ، أرادت أن تكون هي الضربة و الألم في وجه من قال أنهُ لها قد فَهِمْ . ردته هارباً ذليلاً و صرخ إبنها تهليلاً ” لم يعد هناك خوف أيها الشعب التونسي ، بن علي هرب ، هرب” . على هذا الإكسير استلهمت ثورة الخامس و العشرين “يناير” بالقاهرة حياتها . و هي التي ضُربت و قُمعت ، و لكنها بميدان التحرير إعتصمت . لم تَخرس ، حتى عرفت دار مباركٍ ، بعد توهمِ .

ذات يوم بعد حوالي الأسبوع من رحيل مبارك . أذكر ظهور وجه جديدٍ على ساحة الموجة . قديمٍ على مجالس العرب . كان هو العقيد معمر القذافي الذي سمى نفسه على إفريقيا مَلِكَ مُلوك . استهل حديثه عن ثورة مصر و الشعب المصري . أمعنت الإستماع لا الرؤية و لكن عندما أمعنت الثانية نسيت الأولى . لمحت خلفه غلافاً كُتِبَ عليه ان الليبين سيعفلون كل شيء من أجل زعيمهم القذافي . قلت في خاطري أوَ تأمن شرهم يا معمر ؟ . لم تكذبني وسائل الإعلام الخبر ، فلانزال أحد مقالاتها على محرك البحث قوقل يقول ” أعلن الناطق باسم المجلس الوطني الانتقالي، عبد الحفيظ غوقة، الخميس 20 أكتوبر، مقتل العقيد الليبي المخلوع معمر القذافي. وقال غوقة في مؤتمر صحافي في بنغازي “نعلن للعالم أن القذافي قتل على أيدي الثوار”، معتبرا أنها “لحظة تاريخية ونهاية الديكتاتورية والطغيان” . كنت مُخْطِأً يا معمر ، لقد فعلوا كل شيء “لنهايتك” ، في أسيا أراد السوريون نهايةً لبشارٍ حالت أيادي غير سورية أمامها ، يختلط حابلٌ بنابلٌ و بشارٌ في قصره يختبئ و يقول أنا باسل . “اليمن السعيد ” دفع مقابل رحيل صالحٍ صفة السعادة و الحرب فيه ليس لها هوادةٌ ، و لا يفهمها أحد . في البحرين ما فتئت الجموع أن إنطفأت أو أن صوتها خَافةٌ ليس له مُسْمِع.

على هذا يكون فصلُ لنهاية ثورات أسقطت اسماءً أرادت لها أن تسقط ، رحل بن علي ، و اليوم سعيدٌ هو قيس . رحل مبارك ، حضر مرسي و إنقلب السيسي ، و خير الكلام في أم الدنيا ما قلناه و جعلناه دليلاً على دنياها بعد رابعةٍ العدوية و الثلاثين من جوان . السيسي جعلها مملكة فرعونية بنسخة محدثة ، يقول أنه “سيبني و يبني و يبني ” و يُمْنَعُ شعبه من أن يقول قَوله . رحل معمر و …و لم يأت أحد ، قتلى و جرحى و دموع . ليبيا أصبحت تلك الحلبة التي يدخلها من هب و دب ، جهاراً نهاراً و بالصورة و الصوت و الرؤى و المسمع . في اليمن سقوط صالح لم يرو بعده سوى الطالح . حوثيون من هنا و “حازمون” من هناك ، بالمناسبة سقط البشير من عرش سودانه ، إنه الأن في زنزانته و الجنرالات هم من في سدته .

يقول المفكر الفرنسي أليكسيس دي توكفيل “الشعوب التي تقوم بالثورات ضد أنظمتها البالية قد يعتريها الشعور بالحنين إلى الماضي إلا أنها ليست مستعدة للتضحية” ، كلمات لم تثبت صدقها التام ، فمن المؤكد أن هناك شعوباً يعجبها اليوم حالها ، و الأخرى معظمها ثار ضد ثورة أخرين . فقط القتلى و الجرحى يقولون يا أبا القاسم الشابي . “لقد أطرقنا نصغي لقصف الرعود ، وعزف الرياح ووقع المطر و لم يكن للأرض لنا رد حين سألنا ، أيا أم هل تكرهين البشر”.

إقرأ ايضا

لا توجد تعليقات حتى الآن، لماذا لا تكتب واحد؟